الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
87
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
يغيب عن البال ، وأن يكون في قرارة كل نفس مؤمنة بالقرآن . فالملحد حين يقول : إني لا أومن بما جاء في القرآن من حقائق وعلوم ، إلا إذا ثبت ذلك عندي بالدليل العقلي ، نقوله له : إن القرآن يحمل معه الدليل العقلي على أنه من عند اللّه تعالى ، وهو تحديه لكل الخلائق وعجزهم عن المعارضة كما بينا ، فهات ما عندك من المعارضة ، وإلا فأنت محجوج بالبرهان الصادق ، وملزم بالدليل الصحيح . وإن لم يكن في استطاعتك وحدك أن تأتى بالمعارضة ، فضم إلى نفسك من يساويك ، أو أعلى منك من عموم الإنس والجن إن أمكنك ، ونعلمك من الآن أنكم جميعا عاجزون مقهورون ، فسلم دون مكابرة ، ولا معاندة ، واعلم أنه تنزيل من رب العالمين ، وسيبقى القرآن كذلك غالبا غير مغلوب ، قاهرا غير مقهور ، إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومن عليها . وأما إذا لم تكن من أهل البحث والنظر ، فألق قيادك لأهل العلم ، وانضو تحت لوائهم ، فهم العارفون بالحقيقة والأمناء عليها ، وهم حماتها والحراس عليها ، وصدق القائل إذ يقول : وإذا لم تر الهلال فسلم * لأناس رأوه بالأبصار هذا وليعلم أن هذا الإعجاز خاص بالقرآن دون الكتب السابقة ، فكل واحد منها وإن تعين صدقه بأن صدق اللّه تعالى مبلغه بأن أظهر على يديه من المعجزات القاهرة ليس معجزا مصدقا لنفسه ، ومن هنا ، أي من حيث إن القرآن العظيم مصدق لنفسه بسبب كونه معجزا كان مصدقا للكتب المتقدمة ، معيارا عليها ، شاهدا على مضمونها ، وصحتها . تلكم هي المطالب الثلاث مع أدلتها ، والتي تلزم جميع فرق المكلفين ، بما في ذلك اليهود والنصارى ، إلا أن اللّه تعالى خص اليهود والنصارى بالذكر ؛ لما لهم من شرع سماوي سابق ، ووحى إلهي ماض ، فكان كفرهم أفظع ، ومخالفتهم أفحش ، وهو ما نذكره فيما يلي . هذا وقد قدمنا لك بسطا وإيضاحا لهذه المطالب الثلاثة من حيث إثباتها ، والرد على من أنكرها وكفر بها من الماديين في القسم الأول .